أبي منصور الماتريدي
519
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ويحتمل : الآيات التي أنزلها عليه لينصر بها على المعاندين له ، والمكابرين ، والله أعلم . وقوله : أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . يقول : كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم . يحتمل : العهود التي أخذت عليهم - في التوراة - أن يؤمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يكفروا به بعد الإيمان . أو أخذ عليهم : ألا يكتموا نعته ، وصفته ، الذي في التوراة لأحد ، فنبذوا ذلك ، ونقضوا تلك المواثيق والعهود التي أخذت عليهم . ثم في الآية دلالة جعل القرآن حجة ؛ لأنه قال : نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ، ولو كان في كتبهم ما ادعوا من الحجة والاتباع لأتوا به معارضا ؛ لدفع ما احتج به عليهم ؛ فثبت أنهم كانوا كذبة في دعاويهم ؛ حيث امتنعوا عن معارضته . وقوله : وَما يَكْفُرُ بِها . أي : وما يكفر بتلك الآيات إلا الفاسقون . وقوله : وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . يعنى محمدا صلى اللّه عليه وسلم . مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ . أي : نعته الذي كان في التوراة موافق لمحمد صلى اللّه عليه وسلم . وقيل « 1 » : لما جاءهم محمد صلى اللّه عليه وسلم عارضوه بالتوراة ؛ فخاصموه بها ، فاتفقت التوراة والقرآن ، فنبذوا التوراة والقرآن ، وأخذوا بكتاب السحر الذي كتبه الشياطين . ويحتمل : أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لما جاءهم كان موافقا لما مضى من الرسل ، غير مخالف لهم ؛ لأن الرسل كلهم آمنوا به ، وصدق بعضهم بعضا . وقوله : نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ . يحتمل : كتاب الله : التوراة ، على ما ذكرنا . ويحتمل : كتاب الله ، القرآن العظيم . والله أعلم . وقوله : كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ . أي : يعلمون ، ولكن تركوا العمل به ، والإيمان بما معهم ؛ كأنهم لا يعلمون ؛ لما لم ينتفعوا بعلمهم خرج فعلهم فعل من لا يعلم .
--> ( 1 ) قاله السدى ، أخرجه ابن جرير عنه ( 1647 ) . وانظر الدر المنثور ( 1 / 181 ) .